الأربعاء 24 يونيو 2026 - 15:25
كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تسهم في ترويج نمط الحياة الحسينيّ؟

وكالة الحوزة - إنّ السعي الهادف والمستمرّ لتبيين وترويج نمط الحياة الحسينيّ والزينبيّ يُعدّ اليوم من أهمّ الواجبات الملقاة على عاتق وسائل الإعلام الملتزمة والمهتمّة بقضايا المجتمع الإسلاميّ.

وكالة أنباء الحوزة - في عالمنا المعاصر، حيث تجاوزت وسائل الإعلام الحدود الجغرافيّة وباتت تمارس دورًا فاعلًا في هندسة عقول البشر وسلوكيّاتهم، فإنّ تبيين المؤشّرات المرتبطة بنمط الحياة الحسينيّ والزينبيّ لم يعد خيارًا ثقافيًّا فحسب، بل غدا ضرورةً حتميّةً للحفاظ على الهويّة المتعالية للمجتمع الإسلاميّ والشيعيّ.

العزّة والحريّة والإيثار في مدرسة سيّد الشهداء (عليه السلام)

أوضح الدكتور مهديّ إسلاميّ، عضو الهيئة العلميّة في معهد الإمام الصادق (عليه السلام) للأبحاث، قائلًا: إنّ نمط الحياة الحسينيّ يقوم قبل كلّ شيءٍ على العزّة، والحرّيّة، والإيثار؛ وهذا يعني التضحية بالمصالح الشخصيّة في سبيل إعلاء الحقّ والعدالة، وأن يدرك الإنسان أنّه في طريق عبوديّة اللّه، عليه أن يتجاوز الأهواء والرغبات النفسيّة لينال السعادة الحقيقيّة في الدنيا والآخرة.

وأضاف: من جهةٍ أخرى، يرتكز نمط الحياة الزينبيّ على مقوّماتٍ أساسيّةٍ كالبصيرة، وجهاد التبيين، والإدارة العاطفيّة؛ وهنا يبرز الحديث عن القدرة على تحويل التهديدات إلى فرصٍ بفضل التوعية والصبر الاستراتيجيّ، وكانت السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) النموذج الأسمى في هذه الميادين.

تجسيد المفاهيم المتعالية عبر القدرات الإعلاميّة

وتابع الدكتور إسلاميّ قائلًا: في هذا السياق، فإنّ وسائل الإعلام -ولا سيّما في المجتمع الإسلاميّ- بوصفها أداةً فعّالةً لصناعة الرأي العامّ، مطالبةٌ بإخراج هذه المؤشرات والمفاهيم من إطارها النظريّ المجرّد وتحويلها إلى أنماطٍ سلوكيّةٍ ملموسةٍ في الحياة اليوميّة للمجتمع، إذ لا يمكن تبيين هذه المفاهيم المتعالية ونشرها بشكلٍ صحيحٍ إلّا في ظلّ العمل الفنّيّ والإعلاميّ.

النموذج الأسمى لترويج نمط الحياة

وأوضح إسلاميّ: في عصر التوجّه المتزايد نحو المعنويّة، والذي يتردّد صداه اليوم في الغرب والشرق أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فإنّ تصوير نمط الحياة الحسينيّ وبذل الجهود الشاملة لترويجه يُعدّان ضرورةً لا يمكن التغاضي عنها، ولا سيّما من جانبنا نحن الذين نعتبر أنفسنا من شيعة ومحبّي الإمام الحسين (عليه السلام).

ونوّه قائلًا: لا ينبغي لنا الغفلة عن هذه النقطة المحوريّة، وهي أنّ سيّد الشهداء (عليه السلام) ليس قدوةً لنا في كربلاء وفي ساحة الملحمة والجهاد والشهادة فحسب، بل هو الأنموذج الأسمى والمعيار الأعلى لنا في كافّة الأبعاد المعنويّة والأخلاقيّة والمعاشرة والأدب والمروءة والتهجّد والسخاء والكرم والأنس بالقرآن وتكريم الإنسان؛ وباختصارٍ، في مفهوم "نمط الحياة الإسلاميّ" الأكبر، حيث يمكننا بالاقتداء به وبأصحابه العاشورائيّين اختيار طريق السعادة والوصول إلى غايتنا المتعالية بحول اللّه وقوّته.

الصبر والمقاومة في مواجهة الظلم والفساد

ومن جانبها، أكّدت نرجس شكر زاده، الباحثة في الحوزة العلميّة النسويّة، أنّ من واجب جميع المبلّغين والأساتذة والنخب تشريح وتبيين المؤشّرات والمكوّنات الأساسيّة لنمط الحياة الحسينيّ والزينبيّ بشكل صحيح لجميع أفراد الشعب، وخاصّةً الجيل الشابّ، قائلةً: من أبرز هذه المؤشرات، الصبر والمقاومة في مواجهة الظلم والفساد؛ إذ إنّ الصمود على المبادئ الأخلاقيّة وعدم المساومة على الحقّ، حتّى في حال تحمّل الضغوط والشدائد، يمثّل مبدأً رئيسًا لا يمكن إنكاره في مدرسة سيّد الشهداء (عليه السلام).

وأردفت: إنّ الاهتمام بحفظ الكرامة الإنسانيّة والارتقاء بها هو الموضوع المهمّ الآخر الذي نراه بوضوحٍ في السيرة النورانيّة للإمام الحسين (عليه السلام)، وفي واقع الأمر، فإنّ الإنسان ينال في هذه المدرسة سعادته مقرونةً بالعزّة والكرامة حقًّا.

الاختيار الأفضل في مسار الدفاع عن الحق

ولفتت شكر زاده إلى أنّ كربلاء وعاشوراء تمثّلان ميدانًا لاختبار خيارات الإنسان ومواقفه، مضيفةً: إنّ كلّ لحظةٍ من لحظات حياة الإنسان ترتبط بقضيّة الاختيار؛ فسعادة الإنسان أو شقاءه مرهونان بالخيارات والمواقف التي يتّخذها في حياته. والإنسان يحمل في داخله العقل والنفس، وتتجاذبه الدنيا والآخرة، كما تدفعه الميول النفسانيّة أو الرحمانيّة في اتجاهاتٍ مختلفةٍ؛ فإمّا أن يرتقي إلى منزلةٍ أسمى من الملائكة، وإمّا أن ينحدر إلى مرتبةٍ أدنى من الأنعام، وذلك بحسب ما يختاره لنفسه.

واستطردت قائلةً: بناءً على هذا، يمكن القول إنّ جميع مشاهد عاشوراء، منذ البداية وحتّى يومنا هذا، كانت قائمةً على الاختيار؛ فقد كان بإمكان الإمام الحسين (عليه السلام) البقاء في المدينة والقبول بالاستسلام، لكنّه اختار الهجرة إلى مكّة والكوفة في سبيل إقامة الحق وإحياء السنّة النبويّة والعلويّة. وكان بإمكانه أن يساير الحكم اليزيديّ، لكنّه اختار الجهاد والشهادة. كما كان بإمكانه أن ينشغل بمتاع الدنيا الزائلة، غير أنّه اختار الآخرة والسعادة الأبديّة، وغدا بذلك سيّدًا وإمامًا لجميع الأحرار وطالبي الحقّ على امتداد التاريخ.

العمل بفريضة "جهاد التبيين" في مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)

وتابعت هذه الباحثة الحوزويّة موضحةً: يجب على وسائل الإعلام أن تقوم بتبيين مفهوم "الاختيار بين الحقّ والباطل" بأسلوبٍ فنّيٍّ وبلغةٍ عصريّةٍ للمخاطب، فإذا نجحت في هذا المسار، فقد أدّت جانبًا مهمًّا من رسالة "جهاد التبيين".

وأضافت مؤكّدةً: إنّ جهاد التبيين في مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) يعني كسر الحصار الإعلاميّ والدعائيّ للعدوّ عبر نقل الحقائق وروايتها بصدقٍ وثباتٍ، وإنّ الشهادة تمثّل أسمى وسامٍ يناله العاملون في هذا المسار المقدّس.

واختتمت حديثها بالقول: كلّ من يعمل في المجال الإعلاميّ ويمتلك القدرة على توظيف أدوات الفنّ والإعلام لإنتاج محتوىً ثريٍّ وجذّابٍ ومؤثّرٍ في هذا المسار، يقع على عاتقه أن يسعى، بقدر طاقته وإمكاناته، في نشر حقائق المدرسة الحسينيّة والتعريف بها؛ لأن العمل الهادف والمخلص في هذا المسار يُعدّ من مستلزمات الثبات على نهج الإمام الحسين (عليه السلام). ونسأل اللّه تعالى أن يجعلنا جميعًا، بفضله ورحمته وبعناية سيّد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، من الموفّقين والمؤيّدين في هذا الاختبار الكبير المتمثّل في جهاد التبيين.

إعداد: السيّد محمّد مهديّ الموسويّ

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha